حلول للسياسات البديلة | الأجور وتضخم الغذاء.. سياسات تُفاقِم الأزمة أم تحلها؟

الأجور وتضخم الغذاء.. سياسات تُفاقِم الأزمة أم تحلها؟

  • ١٤ يناير، ٢٠٢٤

في إصدار هذا الأسبوع، نلقي الضوء على سياسات الحماية الاجتماعية والأجور لمواجهة التضخم، ونناقش سياسات أسعار الغذاء


هل تكفي سياسات الأجور والحماية الاجتماعية لمواجهة زيادات التضخم؟

مع نسبة تضخم وصلت إلى 35.2% نهاية ديسمبر الماضي، وارتفاعات متتالية للأسعار، تقتصر محاولات الحكومة للمواجهة على قرارات مثل: رفع الحد الأدنى للأجور، أو زيادة مبالغ برامج الحماية الاجتماعية والمعاشات. ورغم هذا لا يستفيد جميع المواطنين (105 ملايين) من تلك القرارات، فضلًا عن كونها لا تجاري نسب زيادة التضخم أو ارتفاع الأسعار. 

أجور ومعاشات.. لمن؟

وفي حين رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور للعاملين في مؤسساتها إلى 4 آلاف جنيه، وإلى 3500 جنيه للعاملين في القطاع الخاص (ما يوازي 130 و113 دولارًا شهريًّا طبقًا للسعر الرسمي)، وكذلك المعاشات ليكون حدها الأدنى 1300 جنيه، والأقصى 10080 جنيهًا، فإنه لا يستفيد العاملون في الزراعة أو المهن الحرة أو القطاع غير الرسمي من أي  زيادة تقررها الحكومة.

وطبقًا للأرقام الحكومية فالأسرة المكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى 3218 جنيهًا في الشهر للوفاء باحتياجاتها الأساسية -حسب أرقام 2020- وهي أرقام زادت أضعافًا الآن بسبب التضخم.

برامج الحماية الاجتماعية 

و بينما يرى الخبراء أن برامج المساعدة الاجتماعية قد ساهمت في تحسين الأحوال المعيشية لمتلقي المعاش، إلا أن  قيمة المساعدات الشهرية أقل من خط الفقر القومي الذي حددته الحكومة (10300 جنيه في السنة)، نفس الحال عند مقارنة قيمة ما يتقاضاه الفرد من برامج الحماية مع معدلات التضخم الحالية. كما خصصت الحكومة 529 مليار جنيه تقريبًا لبرامج الحماية الاجتماعية في موازنة 2024/2023.

وطبقًا للأرقام الرسمية فإجمالي من يتحصلون على معاشات تكافل وكرامة من الأسر يصل إلى 22 مليون فرد أي أقل من إجمالي النسبة الرسمية للفقر بـ8 ملايين شخص تقريبًا، والموظف الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور لا يتم تقديم أي دعم نقدي آخر إليه باعتبار أن برامج الحماية الاجتماعية لا تقدم إلى أي موظف. 

كيف تتصرف الدول لمواجهة التضخم؟

تشير دراسة حول تعامل الدول مع 100 صدمة تضخمية إلى أن هذه الأزمات غالبًا ما يطول أمدها.

وتؤكد الدراسات أن الدول التي تسارع في التخلي عن سياسات محاربة التضخم فور حدوث تحسن مبدئي تعاني من فترات نمو متقلبة بعد ذلك. ومن التجارب الدولية نرى أنه يجب أن تكون محاربة التضخم أولوية للحكومة لتفادي أضرار سياسات التقشف من معدل نمو أقل وزيادة في معدلات البطالة، وانخفاض القيمة الحقيقية للرواتب خصوصًا أن رفعها قد يؤثر بالسلب في حالة التضخم.

بنجلاديش.. حماية الفقراء ليست بزيادة الدعم فقط

زادت معدلات التضخم في بنجلاديش نتيجة للحرب الروسية الأوكرانية من 6% إلى 9.5% وكرد فعل رفعت الحكومة البنجلادشية قيمة البرامج الاجتماعية لمساعدة الفئات الأكثر تضررًا في مواجهة التضخم. كما قامت بتوفير أسواق مفتوحة لبيع السلع الأساسية للمواطنين. وأنفقت الحكومة حوالي 93 مليون دولار لحماية الطبقات المنخفضة والمتوسطة من ارتفاع الأسعار. كما زادت من الدعم المقدم لبرامج التغذية، والمزايا المالية لكبار السن والأرامل والمعاقين والأمهات في فترات إجازات الوضع. وزادت قيمة شبكات الحماية الاجتماعية لتمثل 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي. وتنازلت بنجلاديش عن ضريبة القيمة المضافة البالغة 15% على الإنتاج و5% على التسويق لبعض السلع حتى إبريل 2023، وخفضت الضرائب على سلع أخرى. ورغم  تأثير ذلك في إيرادات الحكومة فإنها نجحت في خفض معدلات التضخم إلى 10٪، وضمان فعالية الدعم المقدم للمواطنين الأكثر احتياجًا.  


سياسات الحكومة لخفض أسعار الغذاء "ترفعها" 

سجل التضخم في قسم الطعام والمشروبات تغيرا قدره 60.1% في ديسمبر 2023 مقارنة بنفس الشهر عام 2022، واحتلت مصر وفقًا للبنك الدولي المركز الأول في الدول الأكثر تضررًا من تضخم الغذاء في نهاية 2023، كما شهدت ارتفاعات متتالية في المؤشرات العامة للتضخم خاصة فى أسعار الغذاء، بسبب الخفض المتتالي لقيمة الجنيه مقابل الدولار منذ 2016 وارتفاع فاتورة واردات الغذاء. 

وشهدت معدلات تضخم الطعام السنوية قفزات منذ نوفمبر 2016 (أول تعويم للجنيه) لتبلغ في ديسمبر 2018 نحو13.1%، وبعد تغيير سنة الأساس من 2010 إلى 2018 انخفض المعدل في ديسمبر  2019 إلى 0.1% غير أنه عاد إلى الارتفاع بمعدلات أعلى ليصل إلى 60.1% في ديسمبر  2023.

تؤدي سياسات الحكومة في التعامل مع الأزمة في معظم الأحيان إلى تعقيدها وزيادة تأثيرها السلبي في حياة الأفراد.

سياسات خاطئة متعاقبة

قامت الحكومة في نهاية ديسمبر 2023 بإصدار قرار باعتبار 7 سلع من المنتجات الاستراتيجية يحظر إخفاؤها أو الامتناع عن بيعها ويواجه من يخالف ذلك عقوبتي الحبس والغرامة. جاء هذا القرار عقب اتفاق الحكومة - قبل هذا بشهرين - مع التجار على تخفيض أسعار عدد من السلع بنسبة 15 إلى 25% والذي لم يكن فعالًا. 

وجاءت هذه القرارات بعد أزمات متتالية في المعروض من عدد من السلع الاستراتيجية مثل الأرز والبصل والسكر، أسفرت عن ارتفاعات غير مسبوقة في أسعارها.

الأرز.. ماذا يعني إصدار قرار لضبط الأسعار ثم التراجع عنه؟

قامت الحكومة في سبتمبر 2022، بتحديد سعر استرشادي للأرز يتراوح بين 12 و18 جنيهًا للكيلو جرام، وشددت على عقوبة للمخالفين بمبالغ تتراوح بين 100 ألف و5 ملايين جنيه.

ولأن سياسات تحديد الأسعار عادة ما تفشل، فقد أسفر القرار عن نقص في الأرز في الأسواق، وارتفاع سعر بيعه للمستهلك، ما اضطر الحكومة إلى تعديل سعره مرتين، وفي النهاية اضطرت إلى إلغاء القرار في 25 فبراير 2023، ليزيد المعروض فى الأسواق لكن مع زيادة سعره بنسبة 186%.

واتهم تجار الأرز قرار التسعير الجبري بأنه سبب المشكلة، بالإضافة إلي إلزام مزارعي الأرز بتوريد 25% من محصولهم بأسعار أقل من تجار القطاع الخاص. وساهم في الأزمة كذلك قرار الحكومة بتقليص المساحة المزروعة من الأرز، وفرض غرامات على المخالفين لأنها لم تراعِ الزيادة فى تكلفة الإنتاج نتيجة لزيادة أسعار المدخلات.

و هناك عوامل مشتركة في كل هذه الأزمات هو ضعف دور الدولة الرقابي على الأسواق وعدم وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الأزمات. ولذا من المتوقع أن تتفاقم أزمة البصل مثل سابقتها، حيث أدى توسع الدولة في التصدير على حساب السوق المحلي إلى ارتفاع سعره، كما أدى تحركها لوقف التصدير إلى خلق  مخاوف من إعراض المزارعين عن زراعته -خاصة مع زيادة تكلفة إنتاجه- ما سيسفر عن نقص المعروض منه.  


للاشتراك في موجز "عدسة" الأسبوعي 

"عدسة" موجز أسبوعي من "حلول للسياسات البديلة"، يقدم تحليلًا سريعًا لأهم الأخبار والتطورات المتعلقة بالسياسات المحلية والأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للتنمية العادلة.