- ٢٢ يوليو، ٢٠١٩
عمرو عدلي أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. عمل كباحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. وقد عمل أيضًا كمدير مشروع في مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون في جامعة ستانفورد ، حيث كان زميلًا بعد الدكتوراه. تلقى عدلي الدكتوراه. من معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا. كما أنه مؤلف كتاب "إصلاح الدولة والتنمية في الشرق الأوسط: حالات تركيا ومصر" (روتليدج ، 2012). وقد نشر في عدد من المجلات التي استعرضها الأقران ، بما في ذلك الأعمال والسياسة ، ومجلة الدراسات التركية ، ودراسات الشرق الأوسط. عدلي هو أيضا مساهم متكرر في مصادر الأخبار المطبوعة وعلى الإنترنت.
تتسلم الحكومة المصرية خلال يوليو الجاري 2019، آخر شرائح قرض صندوق النقد الدولي، بالتزامن مع إتمام برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه بين الطرفين.
انطلق البرنامج في نهاية 2016، وامتد حتى الآن لقرابة الثلاث سنوات، وتنظر إليه تقارير صندوق النقد الدولي على أنه قد تُوج بالنجاح في تحقيق استقرار في مؤشرات الاقتصاد الكلي من ناحية، وإعادة إطلاق النمو الاقتصادي من ناحية أخرى. وقد جاءت تقارير صندوق النقد مدعومة بتقييمات إيجابية من قبل مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية.
ما يثير الانتباه أن أطرافًا داخل الحكومة المصرية تبحث استمرار بعض أشكال الالتزام من جانب مصر ببنود برنامج الإصلاح الاقتصادي، بالرغم من قرب انتهائه، الأمر الذي يعني استمرار دور الصندوق بشكلٍ أو بآخر، دون استمرار عملية الاقتراض المباشر منه، لكنه دور يضمن بقاء الصندوق في الصورة بعد الانتهاء الرسمي للبرنامج. فما الذي قد يفسر رغبة الحكومة في وضع قيود اختيارية على سياساتها المالية والنقدية المستقبلية؟
يسعى هذا المقال القصير إلى الإجابة على هذا السؤال، مع استعراض الاتجاهات القادمة للسياسات الاقتصادية المصرية، وتقييم «نجاح» برنامج الصندوق من زاوية الاقتصاد السياسي.
في نوفمبر 2016، وقعت الحكومة المصرية اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي، التزمت بموجبه بعدد من الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى إعادة التوازن المالي والنقدي للاقتصاد ، ذلك في مقابل الحصول على تسهيلات ائتمانية ضخمة من الصندوق ومن بعض المؤسسات التنموية والتمويلية الدولية.
وصل البرنامج الذي جرى التوقيع عليه إلى محطته الأخيرة بعد مضي ثلاث سنوات، يراها صندوق النقد قصة نجاح وفقًا للأهداف التي وُضعت عند توقيع البرنامج؛ إذ تم تخفيض العجز المالي الحكومي من خلال دورات متتالية من الإجراءات التقشفية بتقليص دعم الطاقة من ناحية، ورفع العوائد الضريبية من ناحية أخرى، بالتركيز على العوائد الضريبية غير المباشرة، والاعتماد على العوائد المباشرة بشكلٍ أقل.
على الصعيد النقدي أُعيد بناء الاحتياطيات النقدية الأجنبية لدى البنك المركزي، وخُفضت قيمة الجنيه في نهاية 2016 - فيما يُعرف باسم التعويم - الأمر الذي أسهم في القضاء على السوق السوداء وتخفيض العجز في ميزان المدفوعات وتحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف، وبالنظر إلى الأداء الكلي للاقتصاد المصري، فيبدو أنه يحقق نموًا مقارنة بسنوات من الركود نتيجة الاضطراب السياسي بعد ثورة يناير 2011.
من زاوية اقتصادية نيوكلاسيكية، فقد حققت هذه الإجراءات استقرارًا في مؤشرات الأسعار النسبية، بما في ذلك سعر الصرف وأسعار الفائدة ومعدلات التضخم بعد الصدمة التضخمية الأولى في عامي 2016 و2017. هذا الاستقرار من شأنه أن يشجع على جذب رؤوس أموال أجنبية في صورة استثمارات، تساهم في خلق فرص عمل وتوليد النمو وتحسين وضع ميزان المدفوعات. ولأن المؤسسات المالية العالمية وشركاءها داخل الحكومة يتبنون التصور الاقتصادي النيوكلاسيكي، فهم يقيمون برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري باعتباره قصة نجاح.
في المقابل، يرى كثيرون أن قصة النجاح هذه قد اعتمدت في شق أساسي منها على التوسع الكبير في الاقتراض الخارجي، فقد قُدرت احتياجات الحكومة المصرية لسد الفجوة التمويلية السنوية بـ 21 مليار دولار، وفرت منها مصر 12 مليار دولار عن طريق الاقتراض من صندوق النقد على مدار السنوات الثلاثة الماضية، وتقترب الآن من استلام آخر دفعة منها .(Aboulenein & Lawder, 2016) وقد استغلت الحكومة التزامها الدقيق ببنود صندوق النقد والتحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي للتوسع في الاقتراض من أسواق المال العالمية من خلال طرح سندات أقبلت عليها صناديق استثمار تبحث عن فرص لتحقيق عائد فيما يسمى بـ«الأسواق الناشئة» مثل مصر.
إن هذا التوسع الكبير في الدين الخارجي الحكومي قد أدى إلى تضاعفه، ليقفز من 48 مليار دولار إلى ما يجاوز 92 مليار دولار في نهاية 2018 (Central Bank of Egypt, 2018) ، ذلك في أقل من ثلاث سنوات فقط هي عمر برنامج الإصلاح الاقتصادي. هذه الديون هي التي سهلت إعادة بناء الاحتياطات الأجنبية، وحققت ما يبدو على أنه استقرار في سعر العملة.
يميل هذا المقال إلى اعتبار أن إعادة توليد النمو الاقتصادي في مصر قد اعتمد على التوسع الكبير في الاقتراض الخارجي أكثر مما استند إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية في صورة استثمارات مباشرة، وأن التعافي الاقتصادي الذي ينعكس على بعض الأرقام والمؤشرات الكلية يندرج تحت وصف التعافي عبر الاستدانة، وأن استمرار ذلك التعافي مرهون باستمرار نفاذ الحكومة المصرية إلى المزيد من الاقتراض في أسواق المال العالمية بتكلفة منخفضة نسبيًا لسداد ما يستحق من التزامات خارجية من ناحية، ولدعم الاستقرار النقدي من ناحية أخرى.
يستلزم هذا الأمر بدوره الإبقاء على صندوق النقد في الصورة كضامن لسياسات الحكومة المصرية، خاصة في المجالين النقدي والمالي، ما يضمن استمرار جذب نوعية خاصة من المستثمرين في الدين الحكومي الخارجي المصري.
سجل الدين الخارجي المصري نموًا مستمرًا منذ توقيع الاتفاق مع صندوق النقد في نوفمبر 2016، وتفيد بيانات البنك المركزي المصري إلى أن إجمالي الدين الخارجي قد ارتفع من 26 مليار دولار في 2001 إلى 48 مليار دولار في يوليو 2015 (Central Bank of Egypt, 2018) ، ثم قفز إلى 81 مليار بحلول يوليو 2017 أي بزيادة بلغ معدلها 66% في سنتين فحسب، وصولا إلى 92.6 مليارا في الربع الثالث من 2018 (Yaqoub, 2018).
وعلى صعيد متصل، فإن نصيب الدين العام بشقيه الداخلي والخارجي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي قد واصل الارتفاع من 85% في 2015 إلى 92% في 2017 وصولاً إلى 101.3 % في 2018 (Trading Economics, 2018) لم تقتصر الزيادة على رصيد الدين الخارجي وحسب، بل ارتفعت كذلك مؤشرات خدمة الدين، والتي تقاس عادة كنسبة من إجمالي الصادرات السلعية والخدمية كمؤشر على قدرة اقتصاد بلد ما على الوفاء بالتزاماته للمقرضين الأجانب. نجد أن تلك النسبة قد ارتفعت من 6% فقط من 2010 إلى 19% في 2016، وهي النسبة الأعلى منذ مطلع التسعينيات.
كان التوسع في الاقتراض الخارجي مخرجًا مباشرًا من الأزمات المركبة التي واجهها الاقتصاد المصري بعد 2011، نتيجة لتآكل احتياطي النقد الأجنبي، وعدم قدرة البنك المركزي الفعلية على الدفاع عن العملة الوطنية. ومن ثم فإن الاقتراض الخارجي كان يهدف إلى دعم استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي، بدءًا بسعر الصرف، بهدف اكتساب ثقة المستثمرين الأجانب وتشجيعهم لضخ أموالهم داخل الاقتصاد المصري دون أن يخشوا كثيرًا المخاطر المتصلة عادة بالاستثمار في الاقتصادات المسماة بـ «الناشئة». وقد ساد هذا التصور خاصة بعد نجاح الحكومة المصرية النسبي في السيطرة على التضخم الذي تلى تخفيض الجنيه في نهاية 2016، والذي ارتفع إلى 35% في السنة الأولى. (Awdalla, 2017)
وقد استخدم البنك المركزي بالفعل جزءًا كبيرًا من الديون الخارجية لإعادة بناء الاحتياطي الأجنبي لديه، ونجح في رفعه من 17 مليار دولار في 2015 إلى نحو 45 مليارًا بنهاية 2018 .(Trading Economics, 2018) تزامن ذلك مع استقرار نسبي في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار في ظل نظام أقرب ما يكون إلى التعويم المدار غير الرسمي، إذ يتحدد نطاق السعر من خلال إدارة مشتركة بين البنك المركزي والبنوك التجارية الكبرى التي تستحوذ على الجزء الأكبر من موارد النقد الأجنبي في الجهاز المصرفي. وعمد البنك المركزي إلى إزالة القيود على حركة العملة الصعبة لإعطاء المزيد من الضمانات للمستثمرين الأجانب، وإن استمرت القيود الفعلية بالطبع لتجنب هروب رؤوس الأموال خارج الاقتصاد المصري.
كان المسوغ الرئيسي للتوسع في الاقتراض الخارجي هو إعادة تأهيل البيئة الاقتصادية الكلية لإعادة اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية في صورة استثمارات، على النحو الذي من شأنه أن يطلق النمو ويرفع التشغيل بينما يسد الفجوة التمويلية ويعالج العجز في ميزان المدفوعات على المدى المتوسط والبعيد. على الرغم من ذلك، تظهر البيانات الرسمية أن معدلات نمو الدين الخارجي كانت أكبر بكثير من نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة منذ 2016، والتي لم تشهد نموًا كبيرًا في العقد الماضي، ناهيك عن استعادة مستويات ما قبل 2008 عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية وأثرت على الاقتصاد المصري كغيره من اقتصادات العالم.
والعكس بالعكس، فإن الدين الخارجي المصري قد ارتفع على نحو غير مسبوق مقارنة بما كان عليه قبل 2011، خاصة في السنوات العشرين الأخيرة من حكم مبارك، والتي تميزت بالتحفظ الشديد في الاقتراض الخارجي خوفًا من تكرار سيناريو أزمة المديونية الخارجية في نهاية الثمانينيات، والتي لم ينقذ النظام السياسي منها سوى اندلاع أزمة الخليج في 1990.
وبالعودة إلى السنوات الثلاث الماضية، فإن التوسع في الاقتراض الخارجي يعني أن برنامج صندوق النقد وما تلاه من حزم سياسات نقدية ومالية قد يكون له الأثر على إعادة تعريف وضع مصر في الاقتصاد العالمي بإعادة دمج الاقتصاد المصري من خلال الاستدانة لا من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يقدم صورة نقيضة لما كان مستهدفًا في آخر عقد من حكم مبارك، خاصة في ظل حكومة أحمد نظيف (2004-2011)، والتي حققت طفرة في جذب الاستثمارات الأجنبية مع الحفاظ على مستويات استدانة دولية منخفضة.
شكل 1: صافي الاستثمار الأجنبي المباشر والدين الخارجي المصري (2006-2017)
المصدر: البنك المركزي المصري
يمكن الجزم إذن بأن التأثير المباشر حتى الآن لاتفاق صندوق النقد قد تمثل في تيسير الحصول على مزيد من القروض الخارجية، بعد التزام الدولة الدقيق بشروط الصندوق في المجالين المالي والنقدي، الأمر الذي منح المقرضين ثقة أكبر في الحكومة المصرية وهو ما يعني أنه طالما كان بالإمكان الاستمرار في الاقتراض لسداد الالتزامات المقومة بالدولار بما فيها خدمة الدين القائم، فإن مخاطر الإفلاس لا تكون قائمة على الرغم من أن السقوط في مصيدة الدين – معرفة هنا بالاستدانة لسداد الدين القائم – لها آثار سلبية جمة على التنمية في المدى البعيد.
المراجع
Aboulenein, A. & Lawder, D. (2016). IMF board approves Egypt's $12 billion loan agreement, $2.75 billion disbursed. Reuters. Retrieved from https://www.reuters.com/article/us-egypt-imf-idUSKBN137005
Awdalla, N. (2017). Egypt inflation surges to 35 percent in July after subsidy cuts. Reuters. Retrieved from https://www.reuters.com/article/uk-egypt-inflation/egypt-inflation-surges-to-35-percent-in-july-after-subsidy-cuts-idUKKBN1AQ1V7.
Central Bank of Egypt. (2018). The Central Bank of Egypt. Retrieved from
Central Bank of Egypt. (2018). The Central Bank of Egypt. Retrieved from https://www.cbe.org.eg/_layouts/15/WopiFrame.aspx?sourcedoc={483D563C-5B3A-4892-9A34-8B0417A60EB0}&file=External_Debt_Annual.xlsx&action=default
Egypt today. (2017, August, 21). Egypt’s oil & gas sector acquires majority of FDI: report. Egypt today. Retrieved from: http://www.egypttoday.com/Article/3/18514/Egypt%E2%80%99s-oil-gas-sector-acquires-majority-of-FDI-report
Egypt Oil and Gas New Paper. (2017, December, 11). 84% of Q1 FDI Flows to Energy Sector. Egypt Oil and Gas News Paper. Retrieved from: https://egyptoil-gas.com/news/84-of-1st-qtr-fdi-flows-to-energy-sector/
Hanafy, S. (2015). Sectoral FDI and economic growth: Evidence from Egyptian governorates (No. 37-2015). Joint Discussion Paper Series in Economics.
Khedr, M. (2017, November, 5). A Look into the Immediate Impact of Zohr on Egypt’s LNG Import Bill. Egypt Oil and Gas News Paper. Retrieved from:https://egyptoil-gas.com/features/a-look-into-the-immediate-impact-of-zohr-on-egypts-lng-import-bill/
Santander Trade Portal. (2018). Egypt foreign investment. Retrieved from: https://en.portal.santandertrade.com/establish-overseas/egypt/foreign-investment
Trading economics. (2018). Egyptian foreign exchange reserves 2008-2017. Retrieved from: https://tradingeconomics.com/egypt/foreign-exchange-reserves
Trading economics. (2018). Egypt public debt rate 2002–2018. Retrieved from: https://tradingeconomics.com/egypt/government-debt-to-gdp
Watchman, R. (2018, January, 17). Zohr gas field fires up the Egyptian economy. Arab News. Retrieved from: http://www.arabnews.com/node/1227561/business-economy
Yaqoub, A. (2018, October). “The Central Bank: Egypt’s Foreign Debt Rises to 92.6 Billion Dollars in June 2018. AlYoum AlSabe’. Retrieved from https://www.youm7.com/story/2018/10/25/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%89-%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%8A%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%B9-%D9%84%D9%8092-6-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1/4004909.Youm7
الآراء ووجهات النظر المقدمة من الكتاب خاصة بهم ولا تعكس آراء ومواقف الجامعة الأمريكية بالقاهرة أو مشروع حلول للسياسات البديلة